وهبة الزحيلي
19
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبي ، تراهم سبعين ؟ قال : لا ، بل هم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم ، فسألناه ، فقال : كنا ألفا . وهذا كله قبل القتال ، أما في أثنائه فإنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم ، ليعمهم الفزع وتضعف معنوياتهم ، كما قال تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [ آل عمران 3 / 13 ] . ثم قال تعالى : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي إن إلى اللّه مصير الأمور ومردها . فقه الحياة أو الأحكام : لقد كانت وقعة بدر أمرا عجبا وقصة مثيرة ، فمما لا شك فيه أن عسكر المسلمين في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف ، بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب كثرة العدد والعدد ، وكانوا قريبين من الماء ، والأرض كانت صالحة للمشي ، وكانت العير خلف ظهورهم ، ويتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة . ثم تغيرت موازين القوى وانعكست القضية ، وجعل اللّه الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين ، فصار ذلك من أعظم المعجزات ، وأقوى البينات على صدق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . فقوله لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما